الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
183
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
سِخْرِيًّا على كلتا القراءتين الآتي ذكرهما . و الْأَشْرارِ : جمع شر الذي هو بمعنى الأشر ، مثل الأخيار جمع خير بمعنى الأخير ، أو هو : جمع شرّير ضد الخيّر ، أي الموصوفين بشر الحالة ، أي كنا نحسبهم أشقياء قد خسروا لذة الحياة باتّباعهم الإسلام ورضاهم بشظف العيش ، وهم يعنون أمثال بلال ، وعمار بن ياسر ، وصهيب ، وخباب ، وسلمان . وليس المراد أنهم يعدونهم أشرارا في الآخرة مستحقين العذاب فإنهم لم يكونوا يؤمنون بالبعث . وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم أَتَّخَذْناهُمْ بهمزة قطع هي همزة الاستفهام ، وحذفت همزة الوصل من فعل ( اتخذنا ) لأنها لا تثبت مع همزة الاستفهام لعدم صحة الوقف على همزة الاستفهام ، فجملة أَتَّخَذْناهُمْ بدل من جملة ما لَنا لا نَرى رِجالًا . و أَمْ حرف إضراب ، والتقدير : بل زاغت عنهم أبصارنا . والزيغ : الميل عن الجهة ، أي مالت أبصارنا عن جهتهم فلم تنظرهم . و ( أل ) في الْأَبْصارُ عوض عن المضاف إليه ، أي أبصارنا ، فيكون المعنى : أكان تحقيرنا إياهم في الدنيا خطأ . وكنّى عنه باتخاذهم سخريا لأن في فعل أَتَّخَذْناهُمْ إيماء إلى أنهم ليسوا بأهل للسخرية ، وهذا تندم منهم على الاستسخار بهم . وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف أَتَّخَذْناهُمْ بهمزة وصل على أن الجملة صفة رِجالًا ثانية وعليه تكون أَمْ منقطعة للإضراب عن قولهم أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أي بل زاغت عنهم الأبصار . والسخريّ : اسم مصدر سخر منه ، إذا استهزأ به ، فالسخريّ الاستهزاء ، وهو دال على شدة الاستهزاء لأن ياءه في الأصل ياء نسب وياء النسب تأتي للمبالغة في الوصف . وقرأ نافع وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف بضم السين . وقرأه الباقون بكسر السين كما تقدم في سورة المؤمنين . [ 64 ] [ سورة ص ( 38 ) : آية 64 ] إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ ( 64 ) تذييل وتنهية لوصف حال الطاغين وأتباعهم ، وعذابهم ، وجدالهم . وتأكيد الخبر بحرف التوكيد منظور فيه لما يلزم الخبر من التعريض بوعيد المشركين وإثبات حشرهم وجزائهم بأنه حق ، أي ثابت كقوله : وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ [ الذاريات : 6 ] .